القرار عدد 766، الصادر بتاريخ 4 مارس 2009، في الملف عدد 2052/1/3/2006
باسم جلالة الملك
حيث يؤخذ من محتويات الملف و القرار المطعون فيه الصادر عن محكمة الاستئناف بمراكش تحت عدد 699 بتاريخ 06/04/2006 في الملف المدني عدد حسني ادعى أمام المحكمة الابتدائية بنفس المدينة أنه بمقتضى عقد شفوي اكترى من المدعى عليه الطاهر قطعة أرضية مسيجة بحائط و بها كراج ذو مساحة 30 م م، تقريبا، اتفقا على الحرث منذ سنة 1995 بسومة 600 درهم، و ظل يمارس نشاطه بالعين المكتراة بدون منازع و يؤدي للمدعى عليه واجبات الكراء بانتظام إلى غاية 11/06/2001 عندما رفعت ضده دعوى من طرف حسن فؤاد و حسن كريم اللذين طلبا خلالها الحكم بطرده من العين المكتراة بحجة أنهما يملكانها و يحتلها بدون سند، و رغم أنه تمسك بالعلاقة الكرائية التي تربطه بوالدهما الطاهر، و إدلائه بالترخيص الذي وقعه هذا الأخير و يطلب فيه من الوكالة المستقلة ربط العين المكتراة بشبكة الكهرباء، فإن المحكمة قضت عليه بالإفراغ أيد استئنافيا بالقرار الصادر بتاريخ 20/02/2003 تحت عدد 510 الموجود رفقته، بعلة أنه على فرض ثبوت العلاقة الكرائية بين المدعي و المدعى عليه فإن تلك العلاقة لا تلزم المدعيين في النازلة ما لم يدل المكري والدهما الطاهر بوكالة تعيه حق الكراء، و بما أن المدعي المحكوم عليه بالإفراغ اعتمر المحل مدة تفوق سبع سنوات و كون به أصلا تجاريا، و أن المدعى عليه هو الذي أوهمه بأنه يملك العين المكراة بدليل الترخيص له بربطها بشبكة الكهرباء، فإنه ملزم بالتعويض عن الضرر اللاحق به من جراء ذلك الإفراغ الذي أفقده أصله التجاري، طالبا الأمر بإجراء خبرة لتحديد التعويض الذي يستحقه، و الحكم على المدعى عليه بأداء تعويض مسبق قدره 10.000 درهم و حفظ حقه في تحديد التعويض النهائي على ضوء الخبرة معززا الطلب بالقرار الاستئنافي الذي قضى على المدعي الحالي بالإفراغ و التعويض، و بصورة لمحضر الإفراغ و للإذن بإدخال الكهرباء، و صورة لورقة أداء الضريبة، و بعد جواب المدعى عليه و الأمر ببحث و إنجازه و التعقيب عليه و الأمر بخبرة و إنجازها و التعقيب عليها من المدعي و الإدلاء من المدعى عليه بمستنتجاته على ضوئها مع مقال مضاد مفاده أنه لا يمكن الحكم عليه بالتعويض و الحال أنه لم يستفد قط من الكراء، و أنه لم يثبت أداء ثمن كراء للمحل، طالبا في حالة اعتباره مكريا الحكم على المدعى عليه في المقال المضاد بأدائه للمدعى مبلغ 42000 درهم عن كراء 70 شهر التي أقر بها بالسومة التي حددها بنفسه، مرفقا الطلب بصور لكل من حكم إداري وقرار إداري، و شهادة طبية و نسخة من محضر إنذار استجوابي، و بعد انتهاء الإجراءات قضت المحكمة برفض الطلبين الأصلي و المضاد. فاستأنف المدعى عليه الأصلي الحكم المذكور مثيرا بأن الحكم المستأنف علل ما قضى به بأن الطاعن لا تربطه مع مالكي العقار أي عقدة كرائية و من ثم لا حق له في المطالبة بالتعويض عن الإخلاء، رغم أنه لم يرفع دعواه ضد المالكين، و إنما رفعها ضد الطاهر بصفته من أكرى له العين بعدما أوهمه أنه مالك العقار، كما أثار أن رفض الطلب أسس على أن العلاقة الكرائية غير ثابتة، مع أنها ثابتة بشهادة الشاهد المستمع إليه أثناء البحث و بإقرار المستأنف عليه بها عندما طلب في المقال المضاد الحكم على المدعي بأداء واجبات الكراء عن المدة التي قضاها الطاعن في العين المكتراة، و أن المستأنف عليه واقعة بإيهامه أنه المالك للعقار و المتعاقد معه على تلك الصفة، فإنه أخفى عليه واقعة عدم تملكه العقار الذي تعاقد بشأنه معه طالبا إلغاء الحكم المستأنف و الحكم من جديد بإفراغ المستأنف عليهما، و بعد الأمر ببحث و إنجازه و التعقيب عليه من الطرفين و انتهاء الردود، قضت محكمة الاستئناف بإلغاء الحكم الابتدائي فيما قضى به في المقال الأصلي و الحكم من جديد على المستأنف عليه بأدائه للمستأنف مبلغ 56600 درهم تعويضا إجماليا، و هذا هو القرار المطعون فيه.
في شأن الوسيلتين الأولى و الثانية و الفرع الثاني من الثانية:
حيث يعيب الطاعن على القرار المذكور خرق قاعدة مسطرية منصوص عليها في الفصل 79 من ق م م، و قواعد الإثبات المنصوص عليها في الفصلين 405 و 410 من ق ل ع، و انعدام الأساس و التعليل لعدم مناقشة حجة قاطع، ذلك أن المحكمة المصدرة له، كما هو واضح من تنصيصاته، استمعت إلى الشاهد عبد العزيز في محضر البحث الذي أمرت به، رغم أنه جرح الشاهد المذكور، على اعتبار أن له مصلحة في النزاع لكونه هو الذي يكتري المحل من أجل السكن فيه فقام بتوليته إلى المطلوب دون علم الطاعن، و تأكيدا لمضمون التجريح أدلى الطالب بمذكرة موقعة من نائب المطلوب مرفوقة بمستنتجاته المؤرخة في 30/12/2005 أكد فيها بأن الشاهد هو الذي قام بتولية المحل له، مؤكدا بأن هذا التجريح موجه للشاهد في أداء شهادته، و أنه دفع استئنافيا بمقتضيات الفصلين 405 و 410 من ق ل ع، لأن المطلوب سبق أن أدلى بمذكرتيه المؤرختين في 02/07/2001 و 15/08/2001 أمام المحكمة الابتدائية في الملف 911/01 بواسطة نائبه المأذون له، أوضح فيهما بأن المكتري السابق الشاهد تنازل له عن المحل بموافقة مالكه الأصلي، و هو إقرار قضائي من المطلوب، و هو حجة قاطعة على صاحبه وفقا للفصلين أعلاه، و المحكمة لما تبت في التجريح المذكور في الحال بحكم مستقل و لم تلفت إلى الحجة المذكورة و لم تناقشها على الإطلاق، و ذهبت إلى أن التصرف بالتولية غير ثابت دون التعليل، فإنها بتت في مضمون الشهادة و لم تبت في أهلية الشاهد و لم تجب على الحجج المقدمة من الخصوم المنزل منزلة انعدام التعليل.
لكن إن تقييم أدلة الدعوى يخضع للسلطة التقديرية للمحكمة متى استندت في ذلك إلى مقدمات تؤدي إلى نتيجة مقبولة بتعليل سائغ، و الثابت من وقائع الدعوى و أدلتها المعروضة على قضاة الموضوع أن الطاعن أذن للمطلوب بإدخال الكهرباء و صرح في جلسة البحث المنجزة استئنافيا على ذمة القضية أن المستأنف ( المطلوب حاليا) كلف بحراسة المحل، و أن الطاعن المذكور طلب في المقال المضاد الحكم له بأداء واجبات الكراء عن المدة التي ظل فيها المطلوب يشغل المحل موضوع النزاع، و أن المستشار المقرر بت في التجريح الموجه إلى الشاهد بقرار الاستماع إليه بعلة عدم الإدلاء بأية حجة تثبته، و أن الحكم السابق الذي بت ابتدائيا بإفراغ المطلوب في الملف 911/01 و القرار الاستئنافي المؤيد له الصادر في الملف 3515/02 لم يشر أي منهما غلى الإقرار بالتولية و لم يؤسس عليها القرار الاستئنافي المستدل به، و إنما أسس على الاحتلال بدون سند، و المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما عللته في جانب منه، » بأن إفادة الشاهد عبد العزيز الجلبابي لا ينال منها القول بأن له مصلحة في النزاع الذي قام بالتولية ما دام التصرف غير ثابت، فضلا على أن هذا يتعارض مع ما تم التصريح به في جلسة البحث من أن المستأنف كلف بحراسة المحل و مع تمكينه من الإذن بإدخال الكهرباء »، تكون قيمت كافة وثائق الملف فاعتبرت عن صواب التولية غير قائمة لعدم ثبوت التصرف بها، و الشاهد ذا أهلية لداء الشهادة فاستبعدت ضمنا المستنتجات المثارة بمذكرة الطاعن المؤرخة في 30/12/2005 و ما تضمنته له إلى تلك المستنتجات، فتبت في التجريح بحكم مستقل و ناقشت الدفوع التي لها تأثير على قضائها فركزته على أساس و عللت قرارها بما فيه الكفاية.
و فيما يرجع للفرع الأول من الوسيلة الثانية و الوسيلة الرابعة:
و حيث يعيب الطاعن على القرار انعدام التعليل و الأساس القانوني و خرق الفصل 443 من ق ل ع، ذلك أنه جاء في تعليله بأن العلاقة الكرائية التي تربط بين الطرفين ثابتة بشهادة الشاهد عبد العزيز الذي أكد أنه بتكليف من المطلوب توسط في إيجاد مكتر جديد، مع أن المطلوب المذكور ادعى في افتتاحية الدعوى بأنه يكتري المحل بسومة قدرها 600 درهم، و التي لا يقبل إثباتها بشهادة الشهود لكون قيمتها تتجاوز 250 درهما عملا بالفصل أعلاه، و بالرغم من المنع الصريح الوارد في الفصل المذكور و ما سار عليه الاجتهاد القضائي، فإن المحكمة استندت في قرارها على إفادة الشاهد، كما أن المطلوب التمس الحكم له بالتعويض عن الضرر الحاصل له من جراء إفراغه من المدعى فيه بمقتضى القرار الاستئنافي الصادر بتاريخ 20/02/2003 في الملف المدني 3515/02 الذي فقد بموجبه مزاولة نشاطه الحرفي بالمحل المذكور قبل إتمام أربع سنوات من تاريخ عقد الكراء المزعوم بسبب إغلاقه من طرف السلطة بتاريخ 18/08/1998 بناء على تظلم تقدم به الجيران، فأصدرت المحكمة الإدارية حكما بإلغاء قرار السلطة، إلا أن الغرفة الإدارية بالمجلس العلى ألغت الحكم الإداري، و بالرغم من عدم إتمام أربع سنوات متتالية وفقا لما ينص عليه الفصل الخامس من ظهير 24 ماي 1955، فإن القرار المطعون فيه ذهب غلى أن المطلوب يستحق التعويض عما لحقه من ضرر، تمثل في إنذثار أصله التجاري الذي تم تقويمه بمقتضى الخبرة، و بذلك يكون عوض المطلوب عن أصل معدوم و غير موجود أصلا، فضلا على أنه أغفل مناقشة حجج تستوفي مقتضيات الفصل 451 من ق ل ع، مما يعرضه للنقض.
لكن حيث من جهة فإن النزاع لا يتعلق بقيمة السومة الكرائية للمحل، و إنما ينصب على وجود علاقة كرائية من عدم قيامها، و هي واقعة مادية يمكن إثباتها في مواجهة المكري بسائر وسائل الإثبات و منها الشهود، عملا بمفهوم الفقرة الأولى من الفصل 629 من ق ل ع، التي تقضي بأنه » يلزم أن يثبت كراء العقارات و الحقوق العقارية بالكتابة إذا عقدت لأكثر من سنة، فإن لم يوجد محرر مكتوب اعتبر الكراء قد أجري لمدة غير محدودة » و المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما استندت في قرارها لإثبات وجود العلاقة الكرائية بين الطرفين على شهادة الشاهد عبد العزيز الذي استمعت غليه في المرحلتين الابتدائية و الاستئنافية في محضر البحث المنجزين فيهما على ذمة القضية، و قيمتهما في إطار ما خول لها من سلطة في ذلك، فاستخلصت عن صواب وجود علاقة كرائية، فإنها لم تخرج من نطاق الفصل 443 المستدل به.
و من جهة أخرى فإن موضوع الدعوى هو المطالبة بالتعويض عن الضرر اللاحق بالمطلوب بسبب إفراغه من أصله التجاري و من جراء إخفاء الطالب لواقعة كون أبنائه هم المالكون للعين المكتراة، و أن الفصل 78 من ق ل ع، يقتضي بأن كل شخص مسؤول عن الضرر المادي و المعنوي الذي يحدثه بخطئه أيضا عندما يثبت أن الخطأ هو السبب المباشر في ذلك الضرر، و الثابت من وقائع الدعوى و مستنداتها المعروضة على قضاة الموضوع أن المطلوب ظل يستغل الورش الميكانيكي و لم يوقف استغلاله له، رغم صدور قرار الوالي بإيقاف استغلاله بتاريخ 18/08/1998 و إنما طعن في قرار الوالي بالشطط في استعمال السلطة أمام المحكمة الإدارية التي ألغت القرار المذكور، و لم يصدر قرار إلغاء حكم المحكمة الإدارية المشار إليه إلا بتاريخ 26/01/2001 من طرف الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، و لم يفرغ المطلوب المحل و يسلم مفاتيحه إلى الطالب إلا بتاريخ 22/06/2003 أي تنفيذا للقرار الاستئنافي القاضي بتأييد الحكم الابتدائي القاضي عليه بالإفراغ من محل النزاع، و المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما عللته في الجانب الآخر منه بأنه » لما كان ثابتا من خلال القرار الاستئنافي عدد 510 الصادر بتاريخ 20/02/2003 أن المستأنف قد أفرغ المحل المكتري له لتحقق ملكية الغير له، و لأن المستأنف عليه المتعاقد معه لم يكن مأذونا له في ذلك، فإنه يكون خطأ الأخير محققا لإخلاله بالتزامه استنادا إلى مقتضيات الفصل 646 من ق ل ع »، تكون بحثت في عناصر المسؤولية من خطأ و ضرر و علاقة سببية بينهما، فاعتبرت عن صواب الخطأ الذي ارتكبه الطلب بإكراء محل لا يملكه و لا مأذونا له في إكرائه هو السبب المباشر في حدوث الضرر الناتج إفراغه من أصله التجاري الذي ظل يستغله إلى تاريخ الإفراغ في سنة 2003، فطبقت الفصل أعلاه و لم تخرق أي نص قانوني فركزت قضاءها على أساس و عللت قرارها بما فيه الكفاية و ما بالفراغ و الوسيلة على غير أساس.
لهذه الأسباب
قضى المجلس الأعلى برفض الطلب.
السيد أحمد اليوسفي العلوي رئيسا، و السادة المستشارون: الحنفي المساعدي مقررا، و جميلة المدور و سمية يعقوبي خبيرة و محمد تيوك أعضاء، و بحضور المحامي العام السيد الحسن هودادية، و بمساعدة كاتب الضبط السيد بوعزة الدغمي.