القرار عدد 555، الصادر عن المجلس الأعلى في 08/12/2003، بالملف العقاري 596/2/2/95
باسم جلالة الملك
وبعد المداولة طبقا للقانون،
حيث يستفاد من وثائق الملف، ومن القرار المطلوب نقضه عدد 325 الصادر عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء 08/03/1995 في الملف 758/94 أنه بتاريخ 22/07/1991 تقدم كل من بوسليم الحسن وبوسليم عبد الله وبسليم إبراهيم وبوسليم فاطمة أمام المحكمة الابتدائية بالمحمدية بمقال يعرضون فيه أن موروثهم بوسليم علي بن سليم خلف ما يورث عنه شرعا ومن ذلك قطعة أرضية مسجلة بالرسم العقاري عدد 37140 س مساحتها 740 متر مربع شيد على مساحة 130 متر مربع منها دارا للسكنى مكونة من كلبقين سفلي وعلوي وبالباقي يكون الحديقة، وأنهم لما أرادوا تسجيل حقوقهم الإرثية في الرسم العقاري المذكور فوجئوا بتسجيل رسم صدقة عدد 292 ص 234 كناش 22 تاريخ 23/03/1988 بالصك العقاري المذكور من طرف بوسليم جامع وبسليم حفيظة وأنهم يلتمسون الحكم بإبطال رسم الصدقة المذكور بمراجعة أعلاه والتشطيب عليه من الرسم العقاري عدد 37140س وأرفقوا مقالهم بنسخة من رسم الإراثة والتركة والصدقة، وبعد جواب المدعى عليهم وانتهاء الإجراءات قضت المحكمة برفض الطلب. استأنفه المدعون فأيدته محكمة الاستئناف بعلة أن تسجيل رسم الصدقة في الصك العقاري يغني عن حيازة الفعلية لأنها أقوى وأكبر وهذا هو القرار المطلوب نقضه بخمس وسائل.
أجاب عنها المطلوبون بواسطة نائبهم الأستاذ محمد الكبير أبو عقيل ملتمسا رفض الطلب.
الوسيلة الأولى والرابعة مضمونتان، المتخذتان من خرق القانون الداخلي وقاعدة مسطرية أضر بمصالح الطالبين وتحريف وثيقة، وعدم الارتكاز على أساس، وانعدام التعليل. ذلك أنه لا يمكن اعتبار الحيازة المذكورة في الصدقة حيازة شرعية، لكون المتصدق حازها نيابة عن المتصدق عليها حتى يبلغا مبلغ القبض، وهو ليس وليا ولا وصيا ولا مقدما حتى يكون أهلا للحيازة بالنيابة عنهما، فضلا عن ذلك، فإن المتصدق عليه بوسليم جامع بن مبارك قد بلغ يوم التصدق عليه سن الرشد القانوني حسب عقد ولادته بالملف. والمحكمة حين اعتبرتها حيازة شرعية فإنها تكون قد خالفت القانون وحرفت الوقائع، وما جاء في عقد الصدقة من حيث سن المتصدق عليها. فجاء قرارها بذلك منعدم ومعرضا للنقض.
الوسيلة الثانية والثالثة والخامسة مضمونة، متخذة من خرق القانون الداخلي وقاعدة مسطرية أضرت بمصالح الطالبين وتحريف وثيقة وعدم الارتكاز على أساس قانوني وانعدام التعليل. ذلك أنه لا يمكن القول بأن تسجيل الصدقة في الصك العقاري هو بمثابة حيازة قانونية تغني عن الحيازة الفعلية، لأن الشرع والقانون لا يقبل ذلك، وأن ما جاء في الفصل 66 من ظ. ل .ع من أن كل حق عيني يتعلق بعقار محفظ يعتبر غير موجود إلى أن يسجل بالرسم العقاري، إنما يعني حقا مشروعا لا جدال فيه ومطابقا للقانون. وبما أن الصدقة موضوع النازلة لم تكن صحيحة، لأنها لا تتوفر على شرط صحتها، وهو الحيازة، خاصة بعد أن أثبت الطالبون بالإشهاد عدد 111 أ ص 103 ـ أن المتصدق لم يسبق له أن أفرغ الدار موضوع الصدقة حتى توفي بها، بينما العمل يقتضي توجه العدلين إلى الدار ومشاهدة إفراغها وإخلائها من المتصدق وأمتعته وشواغله، ولم يرجع إليها، لقول المتحف.
وإن يكن محل سكناه يهب فإن الإخلاء له حكم وجب
وبالتالي فإن تصريح المتصدق في عقد الصدقة بأن الدار كانت فارغة من شواغله وأمتعته وقت حيازتها لفائدة المتصدق عليهما لا يغني عن مشاهدة العدلين بالإخلاء، لأنه شرط لصحة الصدقة، خاصة وأن المتصدق لم يكن وليا ولا وصيا ولا مقدما حنى تصح حيازته نيابة عن المتصدق عليهما، ويعتبر شغله كذلك لمساحة أقل من ثلث الدار المتصدق بها غير مخلة بعقد الصدقة، لأن قول الشيخ خليل إن بقيت عنده إلا لمحجوره، إلا ما لا يعرف بعينه ولو ختم عليه، ودار سكناه إلا أن يسكن أقلها، إنما يعني ويخص الصدقة التي يجريها الأب لفائدة ابنه أو محجوره، وليس الغير كما في النازلة. وإن ما جاء في القرار من تمييز بين الدار والحديقة إنما هو شطط في استعمال السلطة وفي تقدير وقائع الدعوى وظروفها، وإن المتصدق كان يسكن الدار والحديقة. والمحكمة لما اعتبرت تسجيل الصدقة بالرسم العقاري عدد 37140 قبل حدوث المانع حيازة قانونية تغني عن الحيازة الفعلية، لأنها أقوى منها وأكبر، فإنها تكون قد خرقت القانون وأعطته تفسيرا خاطئا، فكان قرارها بذلك منعدم التعليل وقابلا للنقض.
لكن، ردا على ما أثير في الوسائل مجتمعة، فإنه لما كان الثابت من أوراق الملف، وبالأخص شهادة المحافظ العقاري بالمحمدية زناتة، أن المطلوبين في النقض قد تمكنا من تسجيل عقد الصدقة عدد 292 ص 434 كناش التركات 3 تاريخ 23/03/1988 بالرسم العقاري عدد 37140 للفيلا المتصدق بها عليهما في حياة المتصدق بوسليم علي بن سليمان، وبالتالي فإن هذا التسجيل يعتبر في حد ذاته حيازة قانونية تغني عن إشهاد العدلين بمعاينة الحيازة وإخلاء الفيلا موضوع الصدقة وإثباتها بوسائل أخرى، مادام التسجيل يخرج الملكية والحيازة من يد المتصدق إلى يد المتصدق عليهما بشكل قانوني لا جدال فيه، ويمكنهما من التصرف في العين المتصدق بها عليهما بجميع أنواع التصرفات دون منازع، فالصدقة نافذة في حق المتصدق وغيره، إضافة إلى أن قيام المتصدق بوسليم علي بن سليمان بإجراءات تسجيل الصدقة في الصك العقاري يعتبر تنفيذا للصدقة. ومعلوم أن تنفيذ المتصدق للصدقة يجعلها صحيحة ونافذة في حقه وحق خلفه، ما لم تكن هناك دعوى صورية. أما بخصوص قبول المتصدق الصدقة الصادرة منه نيابة عن المتصدق عليه بوسليم جامع بن مبارك الذي كان وقت القبول راشدا بالغا سن الرشد القانوني، فإن ذلك لا يشكل سببا لإبطالها طالما أن المتصدق عليه تمسك أمام قضاة الموضوع بأن عقد الصدقة قد تم تنفيذه منذ أن سجل بالرسم العقاري وتملك العقار المتصدق به عليه ووضع يده عليه وانتفع به، لأن القبض يدل على القبول، كما لا تعتبر نيابة الغير عن الولي أو الوصي أو المقدم في قبول الصدقة سببا لإبطالها طالما أنها تحقق نفعا محضا للقاصر، ولم تقرن بشرط أو التزام، وفضلا عن ذلك كله فإنه لما كانت غاية الفقه في اشتراط الحيازة في عقود التبرعات هو خروج العين المتصدق بها من يد المتصدق إلى يد المتصدق عليه، فإن تسجيل عقد الصدقة في الرسم العقاري يحقق الغاية المذكورة ويوثقها بشكل اضمن لحقوق المتصدق عليه، لأنه بمجرد تسجيل الصدقة في الرسم العقاري وإشهارها للعموم يصبح المتصدق عليه مالكا وحائزا للعقار المتصدق به عليه دون منازع، ويضمن لنفسه الاحتفاظ به والتصرف فيه بجميع أنواع التصرف، والقرار المطعون فيه، لما اعتبر تسجيل الصدقة في الصك العقاري قبل حدوث المانع حيازة قانونية تغني عن الحيازة الفعلية فإنه يكون قد طبق القانون ولم يشطط في استعمال السلطة ولم يحرف وثائق الملف وعلل قضاءه تعليلا كافيا، وأما بالوسائل يبقى على غير أساس.
لهذه الأسباب
قضى المجلس الأعلى بجميع غرفه برفض الطلب وإبقاء الصائر على رافعه.
وبه صدر القرار وتلي بالجلسة العلنية المنعقدة بالتاريخ المذكور أعلاه بقاعة الجلسات العادية بالمجلس الأعلى بالرباط وكانت الهيئة الحاكمة متركبة من رئيس الغرفة الاجتماعية السيد عبد الوهاب اعبابو رئيسا وعضوية السادة: لحبيب بلقصير ـ يوسف الإدريسي ـ مليكة بنزاهير وعبد العزيز السلاوي، والأستاذ محمد الدردابي رئيس غرفة الأحوال الشخصية والميراث، وعضوية السادة : لحسن أومجوض مستشار مقررا ـ علال العبودي ـ ابراهيم القفيفة ومحمد الضغير امجاظ، والأستاذ محمد القري رئيس الغرفة المدنية ـ القسم الرابع ـ وعضوية السادة : عبد النبي قديم ـ محمد عثماني ـ زهرة المشرفي وعبد السلام بوكراع، والأستاذ أحمد بنكيران وحسن امرشان والأستاذ مصطفى مدرع رئيس الغرفة الإدارية، وعضوية السادة: أحمد دينية ـ عبد الحميد سبيلا ـ حميدو أكري وفاطمة الحجاجي ـ حسن الزيرات ـ عمر ازناي وعبد الرحمان العاقل، وبمحضر المحامي العام السيد أحمد بنيوسف وبمساعدة كاتب الضبط السيد أحمد ايبورك.